النويري

19

نهاية الأرب في فنون الأدب

والأسواق والقياسير والاصطبلات والدروب والدور ، والحريق لا يفتر ، وهو لا يقع غالبا إلا في النهار ، وصار الناس يسهرون طول الليل بالنوبة ، خصوصا على دور الأمراء ، فإن مماليكهم وغلمانهم كانوا يبيتون على أسطحة دورهم ، ويضربون الطبول بازات ، ويصرخ بعضهم لبعض ، وامتنع كثير من الناس من حضور الجمعة لملازمتهم أسطح بيوتهم . ولقد صلَّيت في [ بعض ] [ 1 ] الجمع بالجامع الحاكمي مع أحد الأمراء الأكابر مقدمى الألوف ، وكانت عادته أن يصلى معه من مماليكه وألزامه جماعة كثيرة ، فرأيت الذين حضروا إلى الجامع نحو الربع ممن كان يحضر ، فسألته عن سبب تخلَّفهم عن الحضور ، فأخبرني أنه تركهم لحراسة داره [ 2 ] خوفا أن تقع النار فيها ، فيتداركوها بالإطفاء قبل تمكَّنها . فلما كان في يوم الخميس العشرين من الشهر وجد ثلاثة من النصارى في حارة العطوف ، وقد رموا نارا في بعض الدور ، فما شك الناس عند ذلك أن الحريق من النصارى ، وانتقلوا من الظن والاختلاف إلى اليقين والإجماع ، وضرب هؤلاء وقرّروا ، فاعترفوا بالحريق ، ثم اعتنى بهم ، فقيل : إنهم من الفلاحين ، وإنهم لم يفعلوا ذلك ، وإنما أقروا لما حصل لهم من ألم الضرب ، فأطلقوا ، هذا والسلطان ينكر أن يكون ذلك من فعل النصارى ؛ لما يلقيه إليه من له اعتناء خاص بهم ، ويقول المعتنى بهم : النصارى أضعف أبدانا وقلوبا من الإقدام على هذا الأمر الكبير ، ويستدلون على ذلك ويوجهونه ، فيقولون : إن النار غالبا إنما تقع في رؤس الباذهنجات ، وأعالي الدور ، ودور أكابر الأمراء ، ومن أين يصل النصارى إلى ذلك ؟ فيرجع السلطان إليهم ، ويقول : هذا لا يتوصل إليه إلا بالنّشّاب ، وأشاع بعضهم أنه رأى بعض الجند بمصر يرمى النشاب إلى بعض الدور ، وأن السهم لما أبعد عن القوس وأصابه الهواء أورى نارا ، وكان السلطان قبل ذلك قد عرض جماعة من الجند ، وقطع أخباز [ جماعة منهم

--> [ 1 ] ما بين الحاصرتين زيادة من « أ » ص 10 . [ 2 ] في « أ » ص 11 ( دوره ) .